محمد بن جرير الطبري
220
جامع البيان عن تأويل آي القرآن
تتخذون أيمانكم دخلا بينكم يغر بها ، يعطيه العهد يؤمنه وينزله من مأمنه ، فتزل قدمه وهو في مأمن ، ثم يعود يريد الغدر ، قال : فأول بدو هذا قوم كانوا حلفاء لقوم تحالفوا وأعطى بعضهم بعضا العهد ، فجاءهم قوم قالوا : نحن أكثر وأعز وأمنع ، فانقضوا عهد هؤلاء وارجعوا إلينا ففعلوا ، وذلك قول الله تعالى : ولا تنقضوا الايمان بعد توكيدها وقد جعلتم الله عليكم كفيلا أن تكون أمة هي أربى من أمة هي أربى : أكثر من أجل أن كانوا هؤلاء أكثر من أولئك نقضتم العهد فيما بينكم وبين هؤلاء ، فكان هذا في هذا ، وكان الامر الآخر في الذي يعاهده فينزله من حصنه ثم ينكث عليه ، الآية الأولى في هؤلاء القوم وهي مبدؤه ، والأخرى في هذا . حدثت عن الحسين ، قال : سمعت أبا معاذ يقول : ثنا عبيد ، قال : سمعت الضحاك يقول ، في قوله : أن تكون أمة هي أربى من أمة يقول : أكثر ، يقول : فعليكم بوفاء العهد . وقوله : إنما يبلوكم الله به يقول تعالى ذكره : إنما يختبركم الله بأمره إياكم بالوفاء بعهد الله إذا عاهدتم ، ليتبين المطيع منكم المنتهي إلى أمره ونهيه من العاصي المخالف أمره ونهيه . وليبينن لكم يوم القيامة ما كنتم فيه تختلفون يقول تعالى ذكره : وليبينن لكم أيها الناس ربكم يوم القيامة إذا وردتم عليه بمجازاة كل فريق منكم على عمله في الدنيا ، المحسن منكم بإحسانه والمسئ بإساءته ، ما كنتم فيه تختلفون والذي كانوا فيه يختلفون في الدنيا أن المؤمن بالله كان يقر بوحدانية الله ونبوة نبيه ، ويصدق بما ابتعث به أنبياءه ، وكان يكذب بذلك كله الكافر فذلك كان اختلافهم في الدنيا الذي وعد الله تعالى ذكره عباده أن يبينه لهم عند ورودهم عليه بما وصفنا من البيان . القول في تأويل قوله تعالى : * ( ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة ولكن يضل من يشاء ويهدي من يشاء ولتسألن عما كنتم تعملون ) * . يقول تعالى ذكره : ولو شاء ربكم أيها الناس للطف بكم بتوفية من عنده ، فصرتم جميعا جماعة واحدة وأهل ملة واحدة لا تختلفون ولا تفترقون ولكنه تعالى ذكره خالف